ماذا يقول قراصنة البحر؟

تاريخ الإضافة السبت 29 تشرين الثاني 2008 - 7:46 ص    عدد الزيارات 601    التعليقات 0

        

جيمس كارول

ظهر تعبير "القراصنة" في وسائل الإعلام، عندما أغار اللصوص بقاذفات الصواريخ الصغيرة على سفينة تجارية في المياه الصومالية، كانت متوجّهة الى قناة السويس. في الأسبوع الماضي خطف القراصنة أربع سفن، ومن بينها حاملة نفط سعودية ضخمة باسم "سيريوس ستار" تحمل 3 ملايين برميل من النفط في الرحلات اليومية الى الموانئ الأوروبية والأميركية. ويوم الخميس الماضي أعلن القراصنة عن طلبهم 25 مليون دولار فدية لإطلاق السفينة. وقبل نحو شهر أو أكثر احتجز القراصنة سفينة تحمل صواريخ ودبابات ومدافع أوكرانية الى كينيا أو السودان. النفط والسلاح إذاً. والقراصنة يبنون بملايين الدولارات التي يحصلون عليها الفِلَل على الساحل الصومالي. لكن ملف القرصنة هذه تجاوز اللصوصية العادية وتحوّل الى مسألة أخلاقية. فهناك مجموعات من الفقراء استبعدها الاقتصاد العالمي من دورته، وحُكم عليها أن تبقى على تلك الشواطئ المهجورة، وهي تراقب السفن العابرة فتقتنصها، وتقتنص السلاح الذي يحميها. وهكذا فقد اعتزم هؤلاء أن يبدّلوا وضعهم من ضحايا للنظام العالمي، الى مشكلة كبيرة لذاك النظام. لكن وضع هؤلاء الفقراء صار مرئياً، كما ان شكاواهم صارت مسموعة:
ـ إنتشرت الفوضى التي تسمح بظهور القراصنة بعد انهيار الدولة الصومالية عام 1991. وفي العام 1992 قادت الولايات المتحدة الحملة الشهيرة ضد المجاعة بالصومال، والتي انتهت بالإذلال الأميركي في مقديشو. ومنذ ذلك الحين صارت الصومال دولة فاشلة. وقد كلّفت تلك الحملة بليون دولار، ذهب 90% منها للإنفاق على السلاح، السلاح الذي حمله الأميركيون، والذي تسلّح به أمراء الحرب منذ ذلك الحين. أما الـ10% الباقية فقد استُخدمت من أجل إنعاش اقتصادات تلك المناطق!
ـ إن استمرار الولايات المتحدة في الاعتماد على السلاح لحلّ المشكلات، صارت جزءاً كبيراً في المشكلات العالمية. وقبل شهر صارت القيادة الأميركية الإفريقية حاضرة وعاملة. ومركزها الرئيسي في ألمانيا، لأن أحداً في إفريقيا لا يريد استضافتها. والولايات المتحدة ما عادت تتظاهر بان علاقاتها بإفريقيا تتم من خلال وزارة الخارجية، ولا من خلال البنتاغون أو وكالة الغوث الأميركية؛ بل تعتمد وحسب على القواعد والسلاح. واحتجاز السفينة الأوكرانية المسلّحة أظهر أن إفريقيا صارت مخزناً للسلاح، وأن حركة القراصنة يمكن فهمها باعتبارها احتجاجاً! وبدأت القرصنة في الصومال عندما انهارت حكومتها، وصارت عاجزة عن حماية الصيادين. فقد أقبلت عشرات الزوارق والسفن الضخمة من كل ناحية للإفادة من الثروة السمكية للصومال، مما اضطر الصيادين لتسلح أنفسهم للدفاع عن أرزاقهم. ثم تطور نشاطهم لمواجهة كل الآخرين. والقرصنة لا تبرير لها، لكنها ما بدأت بوصفها قرصنة، وهذا حساب مختلف.
ـ هناك أكثر من نوع من أنواع القرصنة. هناك شركات تهريب المخدرات. وهؤلاء يأتون بها من سائر الأنحاء الاستوائية الغنية بالنبات، بما في ذلك إفريقيا. وهذا النوع من الاقتصاد سمّاه جوزف ستغلتز الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد: "بيوقرصنة". وعندما كان العالم المتقدم يستنزف ثروات القارة السوداء بما في ذلك النفط. وعندما كانت زراعات القارة تُدمَّر بالدعم الأميركي والأوروبي لمزارعيهم. وعندما كانت الثورة التكنولوجية والأخرى الخضراء تمر من دون أن تتوقف عن القارة؛ كانت القارة المسكينة تزداد فقراً.
وإلى الشرق من الصومال، وفي أعماق المحيط الهندي تقع جزر المالديف. وعدد السكان هناك قرابة الـ300 ألف. وقد علمت من مقالة ستغلتز أن تلك الجزر سوف تغرق تحت مياه المحيط خلال خمسين سنة، بسبب الاحتباس الحراري. من يتكلم لصالح هؤلاء المعذّبين؟ أو لصالح ملايين المعذّبين على شواطئ القارة وسواحلها؟ والذين قد يصبحون ضحايا تلويث ناقلات النفط، التي يمكن أن تكون ناقلات سلاح. وقد لا يكون القراصنة متحدثين ملائمين باسم أولئك المعذّبين، لكن أفعالهم لها علاقة بالأمر كله. فأين الإنصاف، وأين العدالة؟!
إن الأزمة المالية العالمية التي تتسبّب في انهيار الاقتصادات وربما الأمم والدول، هي دليل بارز على تجاهل قيمة الخير العام. والشركات الكبرى والحكومات العظمى، تختار المصالح الآنية والذاتية والقصيرة المدى، على الإنصاف والخير العام لسائر بني البشر. وهذا كله لن يعمل ولن ينجح ولن يستمر. لا بد من إصلاح راديكالي للنظام الاقتصادي العالمي. إذ ما عاد هناك توازن من أي نوع، وسط إقبال على جرف خيرات العالم الى جيوب وبطون ومخيّلات القلة على حساب الكثرة والسواد الأعظم.

("بوسطن غلوب"، 26/11/2008)
 

The Arab Spring a decade on

 السبت 16 كانون الثاني 2021 - 7:47 م

The Arab Spring a decade on Ten years ago, in mid-January 2011, Tunisians pushed President Zine e… تتمة »

عدد الزيارات: 54,053,300

عدد الزوار: 1,647,031

المتواجدون الآن: 48