تركيا والشرق الأوسط: طموحات وقيود

تاريخ الإضافة الإثنين 12 نيسان 2010 - 4:24 م    عدد الزيارات 759    التعليقات 0

        

تقوم تركيا بإطلاق المبادرة الطموحة تلو الأخرى الهادفة الى إرساء الاستقرار في الشرق الأوسط. فبالاستناد الى النجاحات التي حقّقتها في تطبيع علاقاتها مع سوريا والعراق، تعمل تركيا على تسهيل الجهود للحد من النزاعات، وتوسيع مجال السفر بين الدول بدون تأشيرة دخول، وعلى إحداث ثورة في عالم التجارة، ودمج البنى التحتية، وصوغ علاقات استراتيجية، والانخراط في برامج إقليمية متعدّدة الجوانب. بالنسبة للبعض، يدل هذا النهج التفاعلي على أنّ تركيا تبتعد عن حلفائها التقليديين في أوروبا والولايات المتحدة. وفي الحقيقة، فإنّ تزايد دورها في الشرق الأوسط مكمّل لعلاقاتها مع الغرب ومرتبط بها.

هذا التقرير يقوّم ازدياد انخراط تركيا في الشرق الأوسط ضمن الإطار الأوسع للسياسة الخارجية والتجارية لتركيا. لا تزال هذه العملية في مراحلها الأولى، وهي تواجه شكاً رسمياً في الحكومات العربية وقد انقسمت آراء حلفاء تركيا الغربيين حولها. غير أنّ محاولات تنمية الإقتصاد في المنطقة، وخلق تكافل وتقوية السلام تحمل إمكانيات إيجابية. ففي الوقت الذي تداعت فيه المفاوضات لانضمامها الى الاتحاد الأوروبي، تبنّت أنقرة التكتيكات الاولى للاتحاد الاوروبي التي اعتمدها للانضمام تدريجياً إليه، التي كانت خاصة في سلام ما بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا كنموذج لتقوية الاستقرار الطويل الأمد، ومعالجة الانقسامات في الشرق الأوسط.

لقد نجحت تركيا في تحديد "مشكلتها الأساسية" فيما يتعلق بسياستها الخارجية بنفسها، والتي مكنتها من إنهاء خلافاتها مع جيرانها بشكل جيّد مع كل من سوريا والعراق. وهي كذلك حقّقت بعض النجاح في لعبها دور المسهّل في بعض النزاعات في الشرق الأوسط، مثلاً في استضافتها محادثات الجوار السورية- الإسرائيلية عام 2008. غير أنّ أنقرة كانت أقل فعالية في مسائل أصعب مثل النزاع بين حركتي "فتح" و"حماس". هذا وقد زادت اللهجة الحادة التي شابت العلاقات التركية- الإسرائيلية من شعبية قادة تركيا بين الجماهير الشرق أوسطية، ولكنها أضعفت من ثقة حلفائها التقليديين بها في كل من واشنطن، وبروكسل، وحتى بعض العواصم العربية.

إنّ كلام قادة حزب "العدالة والتنمية"، واعتمادهم نهج لعب دور فعّال في المنطقة، يمتد من دول الخليج الفارسي وصولاً الى أفغانستان، وباكستان، ومنظمة المؤتمر الإسلامي (OIC)، أثار الشعور بأنّهم غيّروا من توجّه تركيا الأساسي تجاه الغرب لتصبح جزءاً من العالم الإسلامي، ويسعون الى إعادة إحياء الأمبراطورية العثمانية أو أنّها "توجّهت نحو الشرق". ولكنّ هذه الادعاءات غير صحيحة. إذ إنّ نهج التفاعل في المنطقة الذي يعتمده البلد اليوم بدأ تأسيسه قبل وصول حزب "العدالة والتنمية" الى السلطة، وشراكة تركيا في حلف الناتو، وعلاقاتها مع الولايات المتحدة تبقيان أساساً للسياسة التركية.

وفي حين تشعر تركيا بالمرارة بسبب الهجومات التي تعرّضت لها من قبل كل من فرنسا، وألمانيا، وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي بين عامي 2005 و2008، إلاّ أنّ نصف تجارتها لا تزال مع الاتحاد الأوروبي، وأقل من ربع ما تصدّره يذهب الى دول الشرق الأوسط- وهي النسبة المعتمدة خلال العشرين عاماً الماضية. والتأثير الأكبر عالمياً لتغيير تركيا اصطفافها تجلّى في حقيقة أن روسيا واليونان كانتا من أكثر المستفيدين من ازدهار تجارتها الإقليمية.

مع ذلك، ومنذ انتهاء الحرب الباردة، عملت تركيا على تحويل أولويات سياستها الخارجية من الهواجس الأمنية القاسية الى اعتماد القوة الناعمة والاهتمام بالمصالح التجارية، والابتعاد عن كونها نوعاً من الشرطة الإقليمية المدعومة من حلف الناتو، الى لاعب أكثر استقلالاً  مصمّم على استخدام الكثير من وسائل الاندماج الإقليمي لكي تؤخذ على محمل الجد كدولة قائمة بحد ذاتها. وعلى شركاء تركيا، أي الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، أن يدعموا جهودها تلك لتحقيق نوع من الاستقرار من خلال مبدأي الشراكة والتكامل [الاقتصادي والسياسي].

هذا وتضع أنقرة على عاتقها الكثير من المسؤوليات، وأحياناً تعد بإنجاز أمور تفوق قدرتها، وتسعى الى الاستفادة مما أنجزتها الى آخر قطرة، وترغب بالابتعاد عندما تواجهها مشاكل يصعب حلّها في الداخل. ويمكن أن نعزو سيطرة تركيا الجديدة في المنطقة الى الاضطراب الذي نشأ على أثر غزو الولايات المتحدة للعراق، وهو وضع غير دائم بالضرورة. كما أنّ بعض الحكومات الشرق الأوسطية حذرة من تأثير كلام تركيا العاطفي ضد إسرائيل على جماهيرها، أو حتى من ادعاءاتها المبطنّة بأنها تمثّل العالم الإسلامي بأسره.

على تركيا أن تصون القوى المحرّكة الإيجابية لعلاقاتها المتوازنة مع جميع اللاعبين في الجوار، ولجهودها المبتكرة الرامية الى تطبيق التكتيكات المتعلّقة بأسلوب التكامل والاتحاد الذي اعتمده الاتحاد الأوروبي في بداياته، مع دول الشرق الأوسط المجاورة له. ولكن بقيامها بذلك، عليها أن تنتبه الى الرسائل التي تتلقاها على الصعيد الدولي، والتي مفادها أن المكاسب التي تحصل عليها من الرأي العام الشرق الأوسطي لا يجب أن يتم إضعافها بفقدان ثقة حلفائها التقليديين بها. في حين أنّ الرسائل التي تصلها من الداخل تسعى الى ضمان أنّ جميع جماهير الناخبين الأتراك سيشاركون في هذه المشاريع الإقليمية الجديدة، ويعلمون بالضبط ما تتضمّنه، ويريدون الالتزام بها، على المدى البعيد. كما أنّها قد تكتسب المزيد من المصدقية والدعم لطموحاتها إذا نجحت في حل الخلافات القريبة منها أولاً، أي في قبرص وأرمينيا.

خلاصة القول، إنّ النخب الشرق أوسطية تقلقها أي إشارة تدلّ على عدم اكتراث أنقرة بعملية انضمامها الى الاتحاد الأوروبي. ذلك أنّ الجزء الأكبر من إعجابهم بإنجازات تركيا الأخيرة، يعود للمعايير العالية التي تعتمدها، وللازدهار الكبير فيها، وتوسيع حيّز الديمقراطية، وتشريع عمل الحكّام المدنيين، وما أحرزته من تقدّم نحو علمانية حقيقية، بالإضافة الى الإصلاحات الناجحة التي قامت بها، علماً أنّ كل هذه الإيجابيات ناتجة عن مفاوضاتها للإنضمام الى الاتحاد الأوروبي. وفي الوقت نفسه، تستمتع تركيا وقادتها بشعبية غير مسبوقة وبحظوة لدى الرأي العام في الشرق الأوسط، بفضل استعدادهم للوقوف بوجه إسرائيل. وبالنهاية فإن قوّة تركيا الجديدة، وتجربتها في بناء اقتصاد عصري قوي، وطموحها للتجارة والاتحاد مع جيرانها، كلّها أمور توفّر لها حظاً أكبر من أي دولة أخرى لإرساء مزيد من الاستقرار، والحد من النزاعات التي حلّت بالشرق الأوسط وأنهكته منذ فترة طويلة.

\"\"

A Gaza Ceasefire..

 الأحد 9 حزيران 2024 - 6:33 م

A Gaza Ceasefire... The ceasefire deal the U.S. has tabled represents the best – and perhaps last… تتمة »

عدد الزيارات: 160,686,422

عدد الزوار: 7,173,623

المتواجدون الآن: 153