عملية داني: «حرب لبنان الثانية»

تاريخ الإضافة الإثنين 1 آذار 2010 - 5:59 ص    عدد الزيارات 257    التعليقات 0

        

دوف تماري


 

(حول كتاب «بندية», الجنرال داني حلوتس, دار يديعوت للنشر. 564 صفحة باللغة العبرية)
في السنوات العشر التي عملتُ فيها مع نظراء من الولايات المتحدة, من رجال الجيش, المؤرخين, وعلماء السياسة, تعرّضت مراراً لأسئلة من قبيل «لماذا لا تكتب مذكراتك؟». وقد اعتدت الإجابة بأن كل كتب السيرة التي قرأتها, لرجال الجيش السابقين والساسة ـ سواء من أفلح منهم في أفعاله أم من أخفق ـ اتسمت بأربع سمات بارزة: الأولى, أن الكاتب رتب الماضي برؤية إلى الوراء. والثانية أن الكاتب كان محقاً على الدوام. والثالثة, أنه في كتابه الذي ينشر فيه تاريخ حياته وخدمته يمسّ, قصداً أو عن غير قصد, بأناس آخرين تقاطعت سبلهم معه. والرابعة أنه من أجل إظهار النزاهة يعترف الكاتب بعدد من الأخطاء, هامشية في الغالب, مقارنة بأخطاء الآخرين. وقلت لمحاوري إنه إذا كتبت مذكراتي ذات يوم فلن أفلح في الفرار من هذه السمات.
وكذلك فإن كتاب رئيس الأركان السابق, دان حلوتس, لم يهرب من هذه السمات. فقصة خدمته كطيار ممتاز وقائد جوي ناجح لا تنطوي على أي جديد, إذ سبقه إليها طيارون وقادة سلاح جو في الجيش الإسرائيلي وفي جيوش العالم, حتى من أيام الحرب العالمية الأولى. فالقراء المعنيون بالطيران والمعارك الجوية يجدون في ذلك المتعة.
ولكن تعيين حلوتس رئيساً للأركان كان تجديداً أثار التساؤل حول ما إذا كان رجل سلاح الجو يصلح أن يكون رئيساً للأركان لجيش هو في جوهره بري الطابع؟ وقد آمنت, سنوات قبل أن يغدو حلوتس رئيساً للأركان, أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي يمكن أن يكون رجلاً من سلاح الجو, أو حتى من سلاح البحرية, وما زال هذا رأيي حتى اليوم. والسؤال: ما هي السيرورة التي ينبغي لضابط رفيع المستوى إلى هذا الحد أن يمر بها من أجل أداء مهمة رئيس الأركان.
لقد خدم في الجيش الإسرائيلي حتى اليوم 19 رئيساً للأركان العامة. وانقضاء 60 عاماً يسمح بفحص ماهية هذا المنصب, المشاكل والقضايا التي يعالجها. صحيح أنه ليست هناك حتى الآن أبحاث مختصة برئاسة الأركان كظاهرة, ولكن هناك وفرة من الوثائق المفتوحة للدراسة, مذكرات شخصية وكتب سيرة حياة. ومن دراسة المادة المتوفرة يظهر الاستنتاج بأن القضية الأهم هي الطريق التي يدخل بها رئيس الأركان لمنصبه. وفي الغالب يتمّ تعيين رئيس الأركان للمنصب بعد سنوات يراكم فيها خبرة عسكرية ويؤدي فيها وظائف الجنرال. ومن الوجهة الظاهرية يغدو جاهزاً للمنصب, ومع ذلك فإن قسماً من رؤساء الأركان بدأوا منصبهم كأغرار وأحياناً اقترفوا أخطاء فظة.
وتتبدّى في الكتاب أسئلة هامة بشأن وظيفة رئيس الأركان في دولة إسرائيل: ما هو بالضبط توصيف المنصب, وهل الوظيفة واضحة للحكومات وللجمهور بل وحتى لرئيس الأركان نفسه؟ كما يُطرح السؤال: ما هي المؤهلات المطلوبة والتي من دونها يمكن لرئيس الأركان أن لا يفلح في منصبه, حيث ضرر تعيين رئيس أركان يفتقر للمؤهلات هذه لا يغدو شخصياً بل عاماً.
إن القانون الأساس: الجيش, يعرّف رئيس الأركان بشكل غريب. فهو «المستوى الأعلى في الجيش» وليس «المستوى الأعلى على الجيش». وثمة معنى لكل حرف في القانون الأساس. فرئيس الأركان يخضع لإمرة الحكومة ولوزير الدفاع. وفي دول كثيرة تعرّف الدساتير هذا المنصب بوضوح عن طريق مفهوم «القيادة», والذي بموجبه يغدو الرئيس الأميركي, مثلا, القائد الأعلى للقوات المسلحة, وكذا الرئيس المصري, رغم أنهما لا يرتديان بزة عسكرية. ومفهوم «القيادة» يرتّب بشكل عام المسؤولية, والصلاحية والمكانة وكل ما يترتب على ذلك. وفي إسرائيل يقول القانون الأساس: الجيش, يستعين بكلمات رخوة وغامضة مثل «الإمرة» و«الخضوع». أما رئيس الأركان نفسه, وفق تسميته, فهو «رئيس أركان» وليس «القائد». وليس هناك رئيس أركان في العالم صلاحيات قيادية. كما أن حكومة إسرائيل ليست قائداً ولا تدّعي ذلك. وإذا كانت هذه هي الحجة التي تجدر مواجهتها فإن منصب رئيس الأركان في إسرائيل ليس مرتباً وفق الأصول وما يبقيه هو العادة.
ويزعم حلوتس أنه وصل منصب رئيس الأركان مستعدّ جيداً, في ضوء خبرته والطريق التي استعدّ فيها للمنصب. وهذا ما يجدر الاختلاف معه, لأن أي ضابط في الجيش الإسرائيلي لا يصل جاهزاً لمنصبه المقبل, حتى إذا راكم خبرة كبيرة. وهذا ما ينطبق أكثر من ذلك على الانتقال من منصب جنرال في الجيش إلى منصب رئيس الأركان العامة, وهي قفزة لبضع درجات دفعة واحدة وهي درجات ملتوية.
ميزان سلبي
أي جيش إسرائيلي تسلّم حلوتس عندما عيّن رئيساً للأركان؟ خلافاً للأسطورة الشائعة, فإن الجيش الإسرائيلي لم يحقق نتائج عسكرية طيبة في البيئة الاستراتيجية منذ العام 1967. وخلافاً لصورة الجيش المرن والخلاق, تحسّن الجيش الإسرائيلي جداً طوال السنين في ميادين كثيرة, ولكنه كاد لم يتغير البتة في بنيته وفلسفته منذ خمسين عاماً. ومنذ «الانتصار الحاسم» الأخير في العام 1967, كان وضعنا غير مؤاتٍ, أيضاً بسبب الجيش, الذي لم يوفر البضاعة العسكرية الاستراتيجية للقيادة السياسية. وخلافا لصورة الجيش الصغير والفعال, ظهر الجيش الإسرائيلي بشكل متزايد كمؤسسة كبيرة, يتعذر عليها توفير الأمن للجمهور, رغم تعاظمه التكنولوجي وتحسُّن قدراته القتالية في البيئة التكتيكية. والميزان الاستراتيجي في الأربعين عاماً الأخيرة هو على النحو التالي: ثلاثة نجاحات منظوماتية: 1967ـ حرب الأيام الستة؛ 1981ـ تدمير المفاعل العراقي؛ 2000ـ2003ـ مواجهة ناجحة ضد إرهاب الانتحاريين؛ ومقابل ذلك هناك خمسة إخفاقات, أو عدم نجاح: 1973 ـ حرب يوم الغفران؛ 1982 ـ حرب لبنان والغرق العديم الغاية طوال 17 عاماً في لبنان؛
1987 ـ الانتفاضة الأولى؛ 1991 ـ العجز عن مواجهة الصواريخ البعيدة المدى المنطلقة من دولة بعيدة؛ 2006 ـ الحرب الأخيرة في لبنان.
ومنذ العام 1967 لم يفلح الجيش الإسرائيلي في تطوير رؤية منظوماتية للمناورة العملانية, ولهذا السبب لم يفلح في استنفاذ مزاياه التكنولوجية والقتالية. ولم يتميز الجيش الإسرائيلي بالتعلم إلى الأمام ـ وهي ماهية الاستراتيجيا. وبسبب الإدمان على إدارة «المعركة الحالية» فشلت القيادة العليا في الجيش الإسرائيلي في الإمعان في الواقع المتبلور خلف النموذج السائد. وبسبب غياب مؤسسات بحثية ومنظومات تعلّم فشل الجيش الإسرائيلي في التعلم حتى من تاريخه هو, من تجارب الآخرين, ولم يستنفذ المعرفة القائمة خارج حدوده التنظيمية.
وفضلاً عن ذلك, فإن التواجد طوال 43 عاماً في المناطق قاد الحكومات نحو شرخ في نظرية وحدة القيادة, وحدة الصلاحية والمسؤولية للجيش الإسرائيلي.
والحكومات جميعها, التي لم تجرؤ على اتخاذ قرار بشأن مصير المناطق, تركت للجيش الإسرائيلي السيادة, لكنها أيضا حرمته من صلاحياته عن طريق الالتفاف عنه بطرق غير رسمية, وأحيانا بطرق غير قانونية, أو كما أشار أحد قادة الجبهة الوسطى سابقا ـ «الحكومة فرضت سيولتها على الجيش». فحكومات إسرائيل غير مؤهلة لاتخاذ القرار حول أيهما يسبق الآخر: الدولة لأرض إسرائيل أم أن الأرض تسبق الدولة, بسبب أنه في واقع الزحف المتواصل للسيطرة على المزيد من المناطق وحشر الفلسطينيين, الدولة تتنازل عن زعامتها وعن وحدة وصلاحية الحكم.
وإضافة للقيود على المؤسسة العسكرية, فإن هذه المؤسسة تعمل في أجواء اجتماعية وسياسية خارجية تتطلب منه حلولاً كاملة لمشاكل معقدة في معركة عسكرية قصيرة على شاكلة عملية قادش في العام 1956 وحرب الأيام الستة العام 1967, وأن تنجح كل الأمور ولا تقع إصابات وأن المعركة تقود إلى حل سريع.
إن قسماً من هذا التوصيف لم يغب هكذا عن ناظري حلوتس وهو رئيس للأركان, كما ألمح في كتابه. والسؤال: ماذا لاحظ, وماذا غاب عن ناظريه وهل كانت لديه المعرفة المطلوبة لمواجهة قضايا صعبة وجيش متواصل ومتلاحق المشاكل؟ وبداهة أن الاختبار كان حرب لبنان العام 2006.
زعيم أم قائد؟
حاجج الفيلسوف العسكري, شمعون نافيه, بوجود فارق جوهري بين «الزعامة» و«القيادة» وبين الزعيم والقائد. فالزعيم يحرّك الناس نحو اتجاه وأفعال دعا إليها, إما من دون وسطاء وإما عبر أجهزة؛ لكن القائد يتمتع بإدراك يغير الواقع ويخلق واقعاً جديداً ومرغوباً. وقدرة القائد على التعلّم هي الذخر الذي بواسطته يتصارع مع عالم متغير ومع مشكلات معقدة. وهذا هو السبب أن رئيس الأركان لا يصل جاهزاً لمنصبه, من الجائز لأن التعلم كقدرة كامنة يكتسب قبل ذلك, ولكنه يتجسّد فقط بعد تسلّم المنصب.
فهل فهم دان حلوتس أي جيش ترأس؟ لا يروي حلوتس في كتابه كيف تعامل مع الأسئلة الجوهرية الهادفة لتحليل الجيش الإسرائيلي, من أجل أن يفهم هو نفسه وبشكل عميق الجيش الذي تولى إمرته. يبدو أن قسماً من المشاكل كان واضحاً له في حين غاب عن باله قسم آخر. فظاهرة رجال الاحتياط, وهم الأغلبية في القوة البرية المحاربة, مشاكل تجنيدهم, إعدادهم لاحتمالات تفعيلهم في القتال, أنواع التدريب المطلوبة لهم قبل المعركة, وزنهم الاجتماعي في تقدير نتائج الحرب كلها أمور لم تكن واضحة له, مثلما لم يكن واضحا له أيضاً وضع قيادة الجبهة الشمالية قبل أن تبدأ الحرب. ويمكن تلخيص المشكلة في القول بأن رئيس الأركان الذي يعد الجيش للحرب عليه أن يفهم وبشكل عميق نقاط ضعف الجيش الإسرائيلي, ربما أكثر من قدراته على شن حرب ومعركة.
وبغرض تجسيد ذلك يمكن التوجه نحو مثال تاريخي: في حرب قادش 1956 فهم رئيس الأركان والفريق الأعلى بجانبه نقاط ضعف الجيش الإسرائيلي, آنذاك, ـ فرق الاحتياط كانت ضعيفة جداً, قدرات القيادة الميدانية محدودة, مستوى التدريب كان ضعيفاً وقسم من الخبرة المنظوماتية التي اكتسبت في حرب الاستقلال تبدّد. ولذلك بلوروا في هيئة الأركان العامة وخططوا لمعركة تتناسب مع القيود أكثر مما تتناسب مع القدرات, فحققوا النجاح.
حدود غائمة
ودان حلوتس اهتم في الكتاب أيضا بقضية العلاقات بين هيئة الأركان والحكومة. وهو يعارض «رغبة قسم من ضباط الجيش بمطالبة المستوى السياسي خلق أفق سياسي كجزء من الحل العسكري... وينبغي لنا كجيش أن نقول ما هي الخطوات العملانية التي علينا تنفيذها أو الامتناع عن القيام بها من أجل تلبية تعليمات المستوى السياسي, وعدم المطالبة بتغيير الواقع السياسي من أجل تنفيذ المتوقع منا». وبهذا فإنه يوضح نظرته إلى العلاقات بين الساسة ورئيس الأركان والجيش بأسره: الساسة يقررون والجيش ينفذ. وهذه نظرة مقبولة في إسرائيل, لكنها نظرة إشكالية لأنها لا توضح كيف وعلى أي أساس تتخذ الحكومات القرارات, وإلى أي حد تشكل هذه القرارات بوصلة للجيش؛ أو أنها تنطوي على احتمال أن تكون لغزاً غير محلول بالنسبة إليه.
ويزعم الباحث كوبي ميخائيل, أن التمييز المقبول بين المستوى السياسي والمستوى العسكري والتحديد الفاصل لصلاحيات ولمسؤولية كل واحد منهما ليس مبرراً اليوم, وغير مجدٍ كما أن الدراسة التاريخية لا تعززه. ويرفض كثير من الباحثين نظرة العلاقات التراتبية من الأعلى إلى الأدنى, ويرفضون التستر خلف مفهوم «المستوى المهني» كتوصيف لمكانة الجيش وخضوعه غير الواضح وغير المحدّد للصلاحية السياسية. ويزعم ميخائيل أن طبيعة الحروب تغيّرت وأن الواقع غدا أكثر تعقيداً. فالجبهة الداخلية غدت جبهة أمامية, ومكانة الجبهة تدنّت, والترتيبات السياسية هشّة ومركبة وهي قائمة برفقة الإرهاب.
وفي مجتمع منقسم على نفسه, يوحده الاختلاف, يتعذر على حكومات إسرائيل أن تبلور سياسة متجانسة وواضحة. وبالعكس, فإن السياسة مليئة بالتناقضات الداخلية وليست قادرة على أن تعرض رؤية واضحة. وفي إسرائيل اليوم لا توجد رؤية أمنية يمكن أن تخدم كمنظومة مفاهيم مرتبة للساسة والعسكر على حد سواء. وفي بيئة كهذه, حيث الحروب الكبيرة على شاكلة الماضي لا تزال ممكنة, لكن الحروب المهيمنة باتت غير متجانسة ـ بين دولة وبين تنظيمات ليست دولاًـ يحتاج رجال الجيش, الكبار كالصغار, إلى قدرات المفاوض والدبلوماسي, وهم يحتاجونها أيضاً لإدارة حياة مواطنين متعادين على جانبي المتراس, لإدارة اقتصاديات محلية, لتجسيد وتغطية قرارات متناقضة تتخذها الحكومة والوقوف في مواجهة الإعلام باستقامة ومن دون حواجز.
ويروي رئيس الأركان حلوتس في كتابه عن حوار أجراه مع القانونية البروفيسور روت غبيزون (التي غدت لاحقاً عضواً في لجنة فينوغراد للتحقيق في حرب لبنان الثانية). وعرضت غبيزون واقعاً من الفراغ السلطوي الذي تدخل المحكمة العليا ووسائل الإعلام إليه. وقالت غبيزون إن «الجيش يضطر لملء الفراغ الذي تخلقه الحلبة السياسية التي لا تتخذ القرارات». من هنا فإن رئيس الأركان هو شخص سياسي من مكانه العسكري, بمفهوم الفعل السياسي والتأثير على قرارات الحكومة. وهو ليس مجرد «مستوى تنفيذي». ويزعم حلوتس أن «دور رئيس الأركان يشذ كثيراً عن مكانته الرسمية ـ التراتبية», لكنه على ما يبدو لم يجد السبيل لخلق علاقات مناسبة مع الحكومة.
اشرح للوزير
إن المسافة بين رئيس الأركان والساسة هي على الدوام غائمة ولا يوجد بشأنها ترتيب دستوري مناسب. فالساسة, حتى من سبق لهم أن خدموا بمناصب عليا في الجيش, تتغير كل نظرتهم إلى العالم حال دخولهم الحياة السياسية, ويكفّ نمط تفكيرهم عن أن يكون عسكرياً, كما أن خبرتهم العسكرية تتبدد بسرعة. وينبغي معرفة كيفية التباحث معهم, إذ أن هذه إيمانيات وفنون بحد ذاتها. ولا ينبغي تقبل قول رئيس الأركان بأن الساسة سيقررون والجيش سينفذ. فرئيس الأركان رجل سياسي بحكم وظيفته, لأن من المفترض أن يكون الخبير في مجال تفعيل القوة من أجل تحقيق أهداف سياسية وضلوعه في القضايا السياسية هو جزء من الرد العسكري.
ومن المشكوك فيه أن يكون حلوتس قد فهم هذا الجانب من منصبه. فمنصب رئيس الأركان هو تعليم الساسة من أدنى. وهذه ليست مسألة ثقة شخصية, وإنما خبرة تتطور في التنظيم العسكري. ويذكر حلوتس مراراً اقتراحات وتوصيات قدّمها لرئيس الحكومة, ورفضها الأخير. ومن الجائز أن الساسة لم يفلحوا في استيعاب معاني اقتراحات وتوصيات رئيس الأركان جراء قلة معرفة وبسبب منظومة مفاهيم قديمة وغير ذات صلة. ومثال على ذلك النقاش حول مفهوم «الانتصار» في مداولات الحكومة أثناء الحرب في لبنان، إن فرصة أن يفهم وزير في زمن الحرب أن مفاهيمه ليست ذات صلة ليست كبيرة إذا لم يصارع رئيس الأركان قبل الحرب ولفترة طويلة من أجل أن يضع مفاهيم أخرى أمام أعضاء الحكومة.
فهل أفلح حلوتس في التوضيح للحكومة ولرئيسها نقاط ضعف الجيش الإسرائيلي والعقبات التي تعترضه؟ والسؤال هو إلى أي حد أفلح هو في استيضاح هذه المسائل لنفسه. إنه يصف في كتابه زيارة رئيس الحكومة لهيئة الأركان العامة, عندما حمل عليه الجنرالات قائلين له إن الجيش عديم الحول في ميادين معينة, خصوصا في جاهزية القوات الاحتياطية وفي تدريب القوات النظامية. من المشكوك فيه أن رئيس الحكومة, بل وحتى رئيس الأركان, استوعب المسائل بعمقها. والتفكير المعهود, القائل بأن أعضاء الحكومة الذين سبق أن خدموا في مناصب عليا في الجيش وبنجاح مؤهلون لملء الفراغ المذكور, لا ينجح في اختبار الواقع. فهؤلاء يفقدون بسرعة بالغة التميز العسكري, لأنهم بكونهم رؤساء حكومات أو وزراء كبار ينظرون إلى الواقع من مواقعهم السياسية وتتبدد مؤهلاتهم العسكرية بسرعة.
لقد توّج رأس رئيس حكومة مثل أرييل شارون بالتيجان, بسبب الخبرة العسكرية المذهلة. وفي أثناء رئاسته للحكومة زار شارون مناورة لهيئة الأركان العامة, وجلس في غرفة القيادة الرئيسية وأصغى لطاقم العمليات برئاسة رئيس الأركان, الذي أجمل يوم القتال وبلور توجيهات وأوامر لليوم التالي. وفي نهاية المداولات أعطى شارون درساً للطاقم المنذهل جميعه وقال إنه لا يفهم ما رأته عيناه. وزعم أن القائد المخطط يجلس في غرفته ويفكر, ويدخل بين الحين والآخر ضابط يعرض عليه المعطيات المطلوبة له ويخرج مع خطة كاملة. وعرض على هيئة الأركان طريقة تفكيره وعمله عندما كان قائداً للكتيبة 890 في الخمسينيات. وبالمناسبة, فإن هذا هو وضع المعرفة لدى معظم الضباط المتقاعدين, الذين جمعهم رئيس الأركان بعد حرب لبنان, وهؤلاء هاجموه من مواضع عفا عليها الزمن.
ثقافة القتال
وتبدأ طريق حلوتس كرئيس للأركان, وفق ما جاء في الكتاب, بخطاب تمهيدي لطاقم هيئة الأركان. وليس في هذا الخطاب محتوى تجديدي ولا وجهة تشهد على فهمه الشخصي لمنصب رئيس الأركان. كما أن إحدى السيرورات الأولية التي بادر إليها كانت تغييراً تنظيمياً في علاقات العمل بين هيئة الأركان وشعبها وبين قيادة الذراع البري, وهي القيادة المسؤولة عن بناء وتأهيل القوات البرية ولا تملك صلاحيات أو مسؤوليات قيادية في الحرب والمعارك.
وتشير النظرة التاريخية إلى رؤساء الأركان السابقين, خصوصاً من قادوا حروباً, إلى أنه قبل إحداث أي تغيير تنظيمي على رئيس الأركان الجديد أن يفحص النموذج الذي يعمل الجيش الإسرائيلي وفقه, أي النموذج الذي تبنّاه الجيش, أو النموذج الذي سيطر عليه بفعل واقع ضاغط. على رئيس الأركان أن يفحص النموذج السائد في هيئة الأركان العامة وأن يضع قبالته نموذجاً جديداً, وبواسطته يفحص النموذج القائم. فهل سيقود الفحص إلى تغيير جوهري؟ ربما نعم. ولكن إذا لم يقد إلى هذا التغيير فإن الفحص يشير إلى العقبات ونقاط الضعف في النموذج القائم. وهذه سيرورة غير بسيطة من وجهة نظر ثقافية, ولكنها سيرورة إلزامية. ولا يبدو أن حلوتس انتهج خطاً كهذا. وقد سبق لقسم من أسلافه أن فشلوا, لأنهم ساروا على خطى أسلافهم من دون فحص النموذج. وهذا هو أحد الأسباب التي قادت إلى نشوب حرب يوم الغفران بالطريقة التي نشبت بها. ويروي حلوتس في فصل «العزم ليس كافياً» كيف أنه في زمن الحرب أدرك أن القوات البرية مقيّدة ذهنياً من دون أن تعرف بنموذج «الأمن الجاري», الذي هو أسلوب العمل المتواصل في المناطق, وهو أسلوب لا يناسب الحرب: مكان كبار القادة بعيداً عن الأحداث القتالية, عدم الإصرار على تنفيذ المهمة, جدول زمني غير ملزم, إبلاغ غير مرتّب وأحياناً غير موثوق وليس في الموعد المطلوب إضافة إلى أخطاء وإخفاقات. وحسب زعمه فإن «استنتاجي هو أن قائد الفرقة نفسه غير مذنب ومؤكد أنه ليس وحده. فطوال العشرين سنة الماضية منذ الحرب الأخيرة التي خاضها الجيش الإسرائيلي, تعوّدنا على التفكير بمفاهيم الأمن الجاري». وحسب رأيه, فإن كل مساعيه للتوضيح للقوات البرية بل وحتى لسلاح الجو أن ما يجري حرب وليس سلسلة عمليات محدودة, لم تجد نفعاً.
غير أن المطلب الأولي من الجيش الإسرائيلي, على مرّ السنين, هو قدرة الانتقال من بيئة إدراكية واحدة إلى أخرى بسرعة فائقة. ومن الجائز أنه لو ركز رئيس الأركان قبل كل تغيير تنظيمي, مهما كانت أهميته, على قضية الانتقال العقلي للقوات المقاتلة من بيئة الأمن في المناطق إلى الحرب مترامية الأطراف, لتصرفت القوات بشكل مغاير في القتال في الجنوب اللبناني. لقد أبلغ رئيس الأركان هيئة الأركان العامة عند تولّيه مهام منصبه أنه «لسنا بحاجة إلى ثورات وإنما إلى تغييرات وتكييفات». وبالفعل لم يكن للثورة مكان. وكان مناسباً إجراء فحص نموذجي للجيش الإسرائيلي, فحص مهني واجتماعي على حد سواء.
وينشغل حلوتس في كتابه بما يسمّيه ثقافة القتال, الانضباط العملاني وتنفيذ الأوامر. وهو يميّز بين المتبع في سلاح الجو وذاك المتبع في سلاح البر. ويبدو له أن النموذج الأول يتفوق على النموذج الثاني. ومن الجائز ـ حتى وإن لم يقل هو ذلك صراحة ـ أن تفضيله لنموذج سلاح الجو أثر على اعتباراته في تجنب معركة برية واسعة وسريعة قدر الإمكان, فور صدور قرار الحكومة, بالعمل.
وتشهد المداولات في الكتاب في مسألة ثقافة القتال والعملانية على أن رئيس الأركان لم يستوضح لنفسه, حتى أثناء خدمته في مناصبه السابقة في الجيش الإسرائيلي, الفوارق الجوهرية بين تفعيل القوات الجوية وتفعيل القوات البرية, المفترض أن تسعى لتحقيق الأهداف ذاتها: فسلاح الجو مسؤول تقريباً بشكل حصري عن حماية أجواء الدولة وسماء المعركة من طائرات العدو وأيضاً من الصواريخ البعيدة المدى. وتاريخياً, فإنه فعل ذلك بنجاح عدا حالات شاذة وغير حاسمة. وفي المعارك البرية شارك سلاح الجو في الخطوات الأساسية لتحقيق الأهداف والنتائج المطلوبة. ولكن في حرب غير متجانسة مع تنظيمات مثل حزب الله, حماس وسواها, تغدو مسألة التفوق الجوي هامشية: ليست هناك معارك جوية مع طائرات المخرّبين بأنواعهم. وفي واقع كهذا فإن نمط عمل سلاح الجو يشبه منظومة خطوط إنتاج صناعية: يجمعون ويصنفون أهدافاً كثيرة قدر الإمكان, يحللونها ويحوّلونها إلى سلسلة هجمات من الجو, الطائرات المهاجمة مسيطر عليها من مراكز على أعلى المستويات, والطيارون يكادون لا يعرفون شيئاً عن اعتبارات الأجهزة المركزية, وهم يعملون بنجاعة قصوى, والنتائج تجمع وتحلل بسرعة والعملية تتكرر بقدر ما يقتضي الأمر. والمفاهيم المركزية هي الاستخبارات, النجاعة, الدقة والرد السريع. وهذه سيرورة ضرورية, لكنها لا تلائم الواقع الذي أطلق فيه رجال حزب الله صواريخ نجاعتها متدنية جداً, وحتى إذا أحبطهم سلاح الجو, فإن استمرار النجاح في إطلاق نسبة ضئيلة جداً من الصواريخ يعتبر كافياً لشل شمالي الدولة لشهر من الأيام.
أما في البر فإن الأمور تسير بشكل مختلف. إذ عملت القوات البرية في الحروب الكبرى في الماضي على احتلال أراضٍ وتدمير قوات العدو قبل وقف النار الذي يفرض على الجانبين. أما في حروب اليوم, في لبنان وقطاع غزة, وربما في حلبات أخرى, لم يعد احتلال الأرض بذاته والبقاء فيها أمراً مطلوباً كما أنه ليست للطرف الثاني قوات عسكرية على شاكلة الدول المعهودة. والإنجازات على الأرض تتحقق عن طريق احتكاك متواصل هدفه حرمان الخصم من منطق عمله وقدراته. ويتمّ هذا الاحتكاك على الأرض وكل خطوة معدّة لبدء خطوات جديدة, من الأفضل أن تكون مختلفة عن سابقاتها. وتقريباً فإن كل قائد قوة برية ملزم بالعمل كمجس حكيم وأمامي لقيادات قطاعات العمليات ويعتبر فهمه على الأرض أمراً ذا ثقل في تحديد كيفية ووجهة مواصلة الاحتكاك. وهذا نمط عمل يختلف تماماً عن نمط عمل القوة الجوية, رغم أن الاثنين ملزمان بالتشابك من أجل تحقيق الهدف ذاته. وبهذا لا ينبغي أن نقرر ما إذا كانت العملية البرية الواسعة ضرورية فور بدء الحرب, إذ من المستحيل إثبات الضرورة النموذجية لما لم يتم فعله.
وتسري هذه الأمور أيضاً على السجال الذي تجلى في الكتاب حول ما إذا كان ينبغي أن نُخرج من الأدراج الخطط العملانية التي كانت في هيئة الأركان العامة وقيادة الجبهة الشمالية وتنفيذها. يبدو لا, بسبب أن كل معركة هي حالة فريدة لا تتكرر. والخطة العملانية, حتى الألمع, مبنية على سياق مقدر, حتى لو كان افتراضياً, لأننا لا نعرف السياق الذي سيتشكل في المستقبل, بما في ذلك المستقبل القريب. وليس في ذلك ما ينفي الخطط التي كانت, وقيمتها هو كليات دراسة المعركة للقيادات العليا.
وفي كل تاريخ الجيش الإسرائيلي لم تنفذ سوى خطة عملانية واحدة نصاً وروحاً وهي خطة «موكيد», للمعركة الجوية في الخامس من حزيران 1967. وزعم الفيلسوف الفرنسي فرانسوا جوليان في كتابه «A Treatise on Efficacy» أن «المميز المحدد للقتال هو بالضبط المسافة المحتومة الفاصلة بين تجسيده في الواقع والنموذج الذي بني عليه. وباختصار, التفكير بالقتال يعني التفكير بدرس يفترض أن يكفر فيه بنموذجه المثالي».
اختبار النتيجة
يزعم دان حلوتس أن حرب لبنان الثانية قادت في نهاية المطاف إلى نتائج طيبة. ربما أن الأمر كذلك. ولكن نتائج الحروب تقاس بثلاثة معايير: الأول, النتائج المادية للحرب, كم أصبنا ودمّرنا وكم أُصبنا؛ والثاني, هل تحققت نتائج سياسية مناسبة ـ وهذا يمكن فحصه على مدى زمني وليس فوراً؛ والمعيار الثالث هو بالعواقب المتأخرة للحرب على وعي الفرد ووعي المجتمع. وأحياناً يكون لهذا المعيار وزن يفوق المعيارين الأولين.
وحتى إذا وافقنا على زعمه بأنه منذ الحرب تحققت ترتيبات معقولة في الجنوب اللبناني, فإن الطريق التي تحققت بها الإنجازات تلقي بظلال ثقيلة على الجيش, على الحكومات وعلى المجتمع الإسرائيلي بأسره. وبالفعل كانت لنا حروب رائعة, ولكن بإنجازات سياسية ضئيلة جداً, وكانت لنا حروب أديرت بشكل مختلّ ولكن نتائجها كانت بعد زمن مناسبة. وليس في ذلك أيّ جديد, فهذه ظاهرة كونية معروفة. ورئيس الأركان والقيادة العليا مسؤولون عن الطريق وليس عن النتائج, لأن الطريق ذات وزن متراكم.
إن كل حرب لا يتقبلها الجمهور بشعور الإنجاز تجلب خلفها لجنة تحقيق رسمية أو حكومية. وقبيل نهاية الكتاب يكرس حلوتس 16 صفحة لمواجهة تقارير لجنة فينوغراد. وبداية يبدي مرارته من غياب العدل الطبيعي في الطريقة التي حققت فيها لجنة فينوغراد حرب لبنان الثانية. وثمة في ذلك عدل معين. وهذه ظاهرة تميز كل لجان التحقيق الرسمية, أو الحكومية, التي حققت في الحروب. وأيا كانت نزاهة وعلم أعضائها, فإنهم لا يفلحون في الخروج من دائرة الهدف المتوقع منها ـ تهدئة غضب الجمهور. وللجنة التحقيق سمة دائمة وهي الإشارة إلى أن ما تمّ لم يكن سليماً, ومن أخطأ ومن المسؤول. واللجان الإسرائيلية لم تسأل نفسها عن الأسباب العميقة, ليست المباشرة, للأخطاء والإخفاقات المرتبطة بالبنية العسكرية, في الروح العامة, في منظومة المعرفة العسكرية, في تأهيل كبار الضباط وفي اختيارهم للمناصب العليا. واللجان تخضع لضغط شعبي لإنهاء عملها, كما لو أن التقرير النهائي سيهدئ الجمهور. أما في الولايات المتحدة فإن الإجراء المتبع هو أنه بعد تقرير لجنة التحقيق سواء أكانت من الإدارة أم من مجلس الشيوخ, أم من الخدمات المسلحة, كل واحدة في ميدانها, يحللون لأنفسهم بنظرة للوراء الأسباب العميقة لنتائج المعارك والحروب, بهدف فحص النموذج القائم وتغييره. ولكن في جدال حلوتس مع تقرير فينوغراد هناك غير قليل من مسائل الذوق. والسؤال هو إذا كان لمساعي التقرير امتداداً في داخل هيئة الأركان, من دون تعامل شخصي مع رئيس أركان سابق أو أعضاء لجنة سابقين, وإنما فقط من أجل فحص الطرق للمستقبل.
(القائد السابق لكلية القيادة والأركان في الجيش الإسرائيلي)
هآرتس 26ـ2ـ2010

Behind the Jihadist Attack in Inates

 الأحد 15 كانون الأول 2019 - 8:31 ص

Behind the Jihadist Attack in Inates https://www.crisisgroup.org/africa/sahel/niger/behind-jihadi… تتمة »

عدد الزيارات: 32,074,267

عدد الزوار: 787,981

المتواجدون الآن: 0